حسن الأمين

299

مستدركات أعيان الشيعة

مجرد الغضب والاحتجاج ، مجرد الاحتجاج ، وهما لا يردعان ظالما ولا يكبحان مستعمرا ، والأمر كما قال أبو تمام : ( السيف أصدق أنباء من الكتب ) . وإذا لم يكن السيف متيسرا فقد أثبتت الحجارة أنها يمكن أن تحل محله ، وأن تكون ( أصدق أنباء من الغضب والاحتجاج ) ! . وحاولت حلب بعد ذلك وبعد أن تم أمر الانتخاب وأعلنت النتائج وانتهى كل شيء ، وبعد أن رأت ما أدت إليه ثورة دمشق ، حاولت حلب أن تقتفي أثر دمشق ، فقامت فيها المظاهرات الصاخبة واشتعلت فيها المعارك الدامية ، ولكن ما تم قد تم ، ولم يكن من الممكن إعادة عقرب الساعة إلى الوراء ، فذهبت محاولات حلب سدى ، ولو أن ما فعلته حلب بعد الانتخابات فعلت بعضه قبل الانتخابات لتغير الأمر وتباينت النتائج . ولك أن تتساءل لما ذا ثارت دمشق ولم تثر حلب ، مع أن في حلب شعبا لا يقل وطنية وشجاعة عمن في دمشق ، ومع أن في حلب قادة أبطالا صلبين ، وحسبك أن يكون فيهم إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي ، وفي حين كان في دمشق رجل مثل جميل مردم ! . كيف قدر لحلب إبراهيم هنانو وسعد الله الجابري وعبد الرحمن الكيالي أن تتأخر عن دمشق جميل مردم ؟ ! . إنني أجيب : كان ذلك لأنه كان في دمشق عصبة من الطلاب نذروا أنفسهم لوطنهم العربي ، ونظموا أمورهم تنظيما دقيقا ، وتحسبوا لكل شيء ، ثم انبثوا في الأوساط الدمشقية ليلة الانتخابات يشرحون ويحرضون ويجمعون ، ثم انطلقوا في الصباح في كل مكان يؤلبون ويرتبون ، حتى إذا اجتمعت الجماعات قادوا خطواتها قيادة واعية مضحية فتقدموها في اقتحام الهول فاستجابت لهم ، فكان ما كان . وربما ساعد على أن يكون في دمشق ما كان ، أنه كان فيها ( الجامعة السورية ) التي تستطيع أن تكتل الطلاب وتصهرهم معا مما لم يكن مثله في حلب ، إذ لم تكن فيها جامعة بعد . انتخابات جديدة وقد كان لا بد للافرنسيين من أن يحددوا يوما جديدا لإجراء انتخابات دمشق ، وقد كان ، وتعين يوم الانتخاب وبدأت المداولة بأسماء المرشحين وإدارة المعركة المقبلة . وهنا يبرز دور جميل مردم . لم يكن بين رجال الكتلة الوطنية في دمشق رجل قوي ، وإن كان فيهم المخلصون . لذلك خلا الميدان لجميل مردم الداهية المتماسك الألعبان ، المستعد للتلون بألف لون . ولم يكن من هم جميل مردم التفكير بالنضال والكفاح ، بل كان من همه الوصول بأهون سبيل ، وأقل تعب . وقد صار الحال الآن إلى أن يكون هو المقرر الأقوى لقرارات الكتلة الوطنية في دمشق فعوضا عن أن يستغل النصر الدمشقي الثوري ، فيقود انتخابات دمشق القادمة إلى نصر شعبي كاسح ، أخذ يفاوض الفرنسيين على أن يكون لمرشحيهم مكان في القائمة الدمشقية الوطنية ، لئلا يكون هناك معركة انتخابية متعبة ، فيدخل هو المجلس على رأس القائمة دخولا مريحا ، مع ما في ذلك من كسب ورد الفرنسيين الذين سيحتاج إليه - كما تبين بعد ذلك - في الأيام القادمة ، وليثبت لهم حسن نواياه فيطمئنوا إليه . وهكذا كان ! . . . فإذا بالقائمة الوطنية تعلن وبين مرشحيها محمد علي العابد وحقي العظم ، نعم حقي العظم ! . . وإذا لم يكن للأول السجل الأسود الذي للثاني ، مما جعل الناس ينسون اسمه فلا يستفظعون ذكره أمام اسم حقي العظم ، فقد كان لوجود اسم هذا الآخر في القائمة الوطنية وقع الصاعقة في جميع أوساط المخلصين . فحقي العظم صنيعة الفرنسيين وعميلهم ورجلهم الأول ، والذي أقاموه على أنقاض الحكم الاستقلالي بعد يوم ميسلون حاكما لدولة دمشق ، والذي كان مجرد ذكر اسمه يثير في النفوس التقزز والقرف والإنكار ، ؟ حقي العظم هذا عضو مرشح في القائمة الوطنية ! . . . وتساءل الناس هل قامت ثورة دمشق ، وسفكت فيها الدماء الزكية التي سفكت من أجل أن يكون حقي [ العظيم ] العظم نائبا عن دمشق ؟ ! ومحمد علي العابد أيضا ؟ ! . هكذا يريد جميل مردم وكان له ما أراد ! . . وجاء يوم الانتخاب ولم يكن للقائمة مزاخمون أشداء ففازت باعضائها جميعا وفيهم محمد علي العابد وحقي العظم . . . وحاول جميل مردم وأعوانه أن يعتبر الناس فوزها فوزا وطنيا باعتبارها قائمة الكتلة الوطنية وأن يحملهم على الابتهاج الشعبي ، ولكن هيهات . . . وآن للمجلس النيابي أن يجتمع وكان فيه ثلاث تجمعات : تجمع وطني يبلغ عدد نوابه سبعة عشر نائبا من أصل ثمانية وستين نائبا هم مجموع نواب المجلس . وتجمعان يضمان النواب الذين عملت على إنجاحهم السلطة الفرنسية ، على رأس أحدهما صبحي بركات ، وهو يضم نواب حلب وأقضيتها ، وعلى رأس الثاني حقي العظم وهو يضم نواب بقية المناطق وهم خليط يجمعه الخضوع للسلطة الفرنسية . وكان أمام المجلس مهمة كبرى هي إبرام المعاهدة التي أعدها الفرنسيون ، على أن عليه أولا أن ينهي أمرا أوليا هو انتخاب رئيس له ، ثم انتخاب رئيس للجمهورية ، ثم يلي ذلك اختيار رئيس للوزراء . وكان للفرنسيين رجلان هما صبحي بركات وحقي العظم ، وكان عليهم أن يختاروا واحدا منهم لرئاسة الجمهوري ، وكان يطمح إليها الاثنان معا ، وكان الفرنسيون يريدون أعرق الرجلين في خدمتهم ، وأبعدهم صيتا في الخيانة ، وهو حقي العظم . ولكن صبحي بركات لم يسلم لهم في ذلك . وأخذ التنافس والتزاحم ماخذهما ، فأراد صبحي بركات أن يثبت قوته وسيطرته على العدد الأكثر من النواب فرشح نفسه لرئاسة المجلس ، وعضده في ذلك النواب الوطنيون ففاز بالرئاسة .